من التطوير إلى التكافل.. الغزل والنسيج يعيد بناء القطاع لصالح العمال والصناعة
في وقت تخوض فيه الدولة المصرية واحدة من أكبر عمليات إعادة إحياء الصناعة الوطنية، يظل قطاع الغزل والنسيج في مقدمة القطاعات التي تحظى باهتمام واسع باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد الوطني والصناعة التاريخية لمصر.
وبين خطط التطوير الضخمة التي تُنفذ داخل المصانع، والتحولات التي يشهدها العمل النقابي، تبرز العديد من الملفات المهمة المرتبطة بمستقبل العمال، والحماية الاجتماعية، وتوسيع قاعدة التمثيل النقابي داخل القطاع الخاص والمناطق الحرة.
وفي هذا الحوار، يكشف رئيس النقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج تفاصيل إطلاق صندوق التكافل الجديد لدعم العمال بعد سن المعاش، ورؤية النقابة بشأن تعديل سن التقاعد بما يتوافق مع قانون التأمينات الجديد، كما يتحدث عن خطة تطوير القطاع التي تُقدر تكلفتها بنحو 60 مليار جنيه، إلى جانب التحركات النقابية للوصول إلى ملايين العمال في القطاع الخاص، وإعادة رسم الخريطة التنظيمية للنقابة بما يعزز دورها خلال المرحلة المقبلة.
تفاصيل خطة التطوير والتوسع النقابي والحماية الاجتماعية
– النقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج أعلنت مؤخرا عن خدمات جديدة وغير مسبوقة لخدمة الأعضاء.. حدثنا عن هذه الخدمات؟
وفقا للمادة الخامسة من لائحة النقابة، فإن دورنا الأساسي هو تقديم خدمات اجتماعية، تثقيفية، رياضية، وسياحية للأعضاء، والحقيقة انه بعد أن استقرت الأمور المادية داخل النقابة العامة، وحققنا فائضا ماليا والحمد لله، وجدنا أن المال الذي لا يعود بالنفع المباشر على العامل “بالبلدي كدة ، قلته أفضل”، لذا بحثنا طويلا: ما الذي نقدمه لعمالنا …؟ خاصة وأن الأجور الحالية، رغم جهود الدولة، لازالت ضعيفة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية، ونحن كنقابة لسنا جهة تنفيذية تملك رفع الرواتب مباشرة لأننا في مرحلة “البناء والتحديث”، ومن يبني بيته يضحي بالكثير من الرفاهية حتى يكتمل البناء، لذا… قررنا تقديم خدمة مستدامة تمس احتياجات العامل الحقيقية، خاصة عند بلوغه سن التقاعد، حيث تزداد الأعباء الصحية والاجتماعية ويقل الدخل، وسوف يتم ذلك من خلال “صندوق التكافل الاجتماعي” والذى يعد “نبراس” جديد في العمل النقابي، لذا.. قررنا إنشاء صندوق للتكافل الاجتماعي بمعني آخر “معاش ادخاري” لدعم العمال عند الوصول لسن التقاعد، ستقوم النقابة العامة بدعم الصندوق في بدايته ب 10 ملايين جنيه كوديعة بنكية، المبدأ قائم على دراسة “اكتوارية” دقيقة قمنا بها بناء على قاعدة البيانات المميكنة لدينا، والتي تتضمن تواريخ ميلاد العمال ومواعيد خروجهم على المعاش، والخبير الاكتواري هو من سيحدد قيمة الاشتراك الشهري للعامل بناء على رغبتنا في صرف معاش تكميلي لايقل عن 2000 جنيه شهريا كهدف مبدئي، والاشتراك سيكون اختياريا، وسنعرضه على العمال بموجب استمارة رغبة، ومن يدخل في البداية هو “الفائز الأكبر” لأن دعم النقابة (ال 10 ملايين) سيوزع عائده على المؤسسين الأوائل.

الصندوق سيخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية
– هل حددتم من الذي يدير هذا الصندوق لضمان استمراريته؟
لن تدار هذه الأموال ب “الهوى” أو بأسلوب صناديق الزمالة التقليدية في اللجان النقابية، ولكن اري ان الأفضل هو تشكيل مجلس إدارة يترأسه رئيس النقابة العامة، ولكن الإدارة التنفيذية يجب أن تكون لمتخصصين ومحترفين في استثمار الصناديق، نحن نملك الرؤية ولكننا لا ندير التفاصيل الفنية المعقدة، لذا سيخضع الصندوق لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، ولائحته ستكون ملزمة بضوابط قانونية صارمة، وموارده لن تقتصر على اشتراكات العمال، بل سنخصص نسبة من أرباح فندق النقابة، ونسبة من أرباح المصايف، وعوائد المزادات، لتعزيز مساحة الصندوق المالية، كما أننا سوف نضمن للعامل الذي يرغب في الانسحاب بعد فترة الحصول على أمواله التي دفعها مضافا إليها عوائدها، لضمان أقصى درجات الشفافية، وهذه ليست الخدمة الوحيدة التى سيتم إطلاقها.
نحن بصدد إشهار جمعية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي خاصة بالنقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج، وهذه الجمعية ستحصل على حصة في قرعة الحج والعمرة بأسعار الدولة الرسمية، وهو حق مشروع ل 2 مليون عامل، كما ستتولى الجمعية تنظيم أنشطة رياضية وفنية، ورحلات سياحية مدعومة للمناطق القومية الكبرى مثل (العلمين الجديدة، الجلالة، العاصمة الإدارية، ومنطقة قناة السويس) ليرى العمال حجم الإنجاز الذي يتحقق في بلدهم.
وسوف يكون هناك اشتراك رمزي لهذه الخدمات لضمان الجدية والنظام، وفلسفتنا هي “التملك وليس الإدارة المباشرة” ، تماما كما فعلنا في إدارة فندق النقابة حين استعنا بمتخصصين لادارته.
نستهدف 2 مليون عامل بالمناطق الحرة لتوسيع قاعدة التمثيل النقابي
– وماذا عن “إعادة رسم الخريطة النقابية” … ماالذي تقصدونه بذلك.. ومااوجه تغيير طبيعة الجمعية العمومية للنقابة؟
من زمن تأسست النقابة في المحلة الكبرى لأنها كانت تضم 400 ألف عامل في قطاع الغزل والنسيج العام، أما اليوم فالواقع تغير تماما، لدينا 2 مليون عامل في هذه الصناعة على مستوى الجمهورية، أغلبهم من المناطق الحرة والمناطق الصناعية الجديدة علي سبيل المثال (السادات، العاشر من رمضان، برج العرب، بورسعيد، وبني سويف الجديدة)، ورؤيتنا منذ 2018 كانت التوجه نحو “النقابات المهنية” والقطاع الخاص.
القطاع الخاص أصبح القوة الأكبر داخل الجمعية العمومية
والنتيجة اليوم أن القطاع الخاص أصبح يمثل 75% من قوة الجمعية العمومية للنقابة العامة، بينما يمثل قطاع الأعمال العام 25% فقط، لذلك نتحرك الآن حتي نكون متواجدين حيث يوجد العامل، سواء في المنيا الجديدة أو الإسماعيلية أو مدينة مايو، إيمانا منا أن النقابة لابد أن تتطور لمواكبة التوجهات الاقتصادية للدولة.
بـ60 مليار جنيه.. خطة غير مسبوقة لتطوير الغزل والنسيج دون أعباء على الدولة
نتحرك على محورين.. تحديث الصناعة وتأمين مستقبل العمال
– ملف تطوير قطاع الغزل والنسيج ……الي أين…؟؟
خطة التطوير التي بدأت في 2019 ومستمرة لنهاية 2026 وتكلفتها حوالي 60 مليار جنيه، الحقيقة التي قد لا يعرفها الكثيرون أن الدولة لم تدفع جنيها واحدا من ميزانيتها في هذه الخطة، التكلفة انقسمت لشقين: 30 مليار جنيه معدات وآلات حديثة من ألمانيا وسويسرا وإيطاليا، تم تمويلها عبر قروض من بنوك تلك الدول بضمانة وزارة المالية المصرية، مقابل رهن أراض تابعة للشركة القابضة بنفس القيمة، وال 30 مليارا الأخرى مخصصة للبنية التحتية والإنشاءات، ويتم تدبيرها ذاتيا من خلال التصرف في الأصول غير المستغلة للشركة القابضة، وللأسف.. حدث تباطؤ في تدبير ال 30 مليارا الثانية نتيجة تراجع أسعار الأراضي وحركة السوق، مما تسبب في تأخير الجداول الزمنية، ولكن الآن نعمل في المحلة وشبين وكفر الدوار، والماكينات وصلت بالفعل وتم تركيب جزء كبير منها والحمد لله، وهنا لابد أن أتوجه بالشكر للدولة، فعند بدء التطوير، كان لدينا 65 ألف عامل، وكان هناك اقتراح بتسريح عدد كبير منهم بنظام “المعاش المبكر” كما حدث في قطاعات أخرى، ولكننا كنقابة تصدينا لهذا المقترح؛ لأن المعاش المبكر يخلق خللا اجتماعيا، اتفقنا على بقاء العمال، واليوم انخفض العدد طبيعيا بسبب الوفاة أو المعاش القانوني إلى 37 ألف عامل، والعمال الذين توقفت مصانعهم للتطوير حوالي 18 ألفا حاليا يجلسون في بيوتهم ويتقاضون رواتبهم كاملة بحوافزها ووجباتها، بل ويحصلون على “الإضافي” وكأنهم في العمل، وتلك “طبطبة” من الدولة على عمالها حتى تكتمل المصانع.
قريبا …قطننا من فاسنا
– هل بدأت فترة الحصاد لثمار التشغيل في المصانع التي افتتحت ؟
بدأت عجلة الإنتاج في “مصنع 4” بالمحلة ومصنع شبين، لكن يجب أن يفهم الجميع طبيعة هذه الصناعة، الربح في “الغزل” هو 5% فقط، وفي “النسيج” 15%، لكن الربح الحقيقي والقيمة المضافة تكمن في “التجهيز والملابس الجاهزة” حيث تصل إلى400%، ونحن حاليا في مراحل الغزل والنسيج، وبمجرد اكتمال مراحل التجهيز في حلوان وكفر الدوار وغيرها، سيتحول القطاع من الخسارة إلى الربحية، ولن نحتاج ل100 مليون جنيه شهريا من وزارة المالية لسد الرواتب، بل سيكون “قطننا من فاسنا”.
قانون العمل الجديد عالج مشكلات كثيرة
– عبد الفتاح إبراهيم عضوا في المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، من وجهة نظركم كيف ترون البيئة التشريعية للعمل في مصر الآن؟
مصر تمتلك بنية تشريعية تضمن كافة الحقوق، لكن المشكلة تكمن دائما فى آليات التنفيذ، قانون العمل الجديد عالج مشكلات كثيرة، ومن أهم مكتسباته هو إنشاء “المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي” الذي يضم كافة الوزارات والجهات المعنية وأصحاب العمل والعمال، وهذا المجلس أنجز صياغة 182 قرارا تنفيذيا كانت معطلة لسنوات، شملت تنظيم عمل المرأة وغيرها من الملفات الشائكة، وللعلم … كافة القرارات تخرج بعد نقاشات مستفيضة ومراجعات قانونية دقيقة، وتذهب لرئيس الوزراء للتوقيع.

مد الدورة النقابية بتوصية من المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي
– شاهدنا لغط كبير حول التوصية ب”مد الدورة النقابية”… ما هو موقفكم من هذا الملف؟
التنظيم النقابي لم يطلب المد، بل نحن جاهزون للانتخابات غدا، نحن نتعرض للنقد والهجوم منذ 6 أشهر بسبب هذا الملف… وأنا شخصيا أريد إجراءها اليوم لننتهي من هذه الضغوط، لكن هناك “وجهة نظر ” في رؤية الدولة والجهات المعنية، وهي أن هناك استحقاقات دولية هامة في شهري مايو ويونيو مرتبطه بمنظمة العمل العربية، ومنظمة العمل الدولية، وعيد العمال، في 2022، انشغل رؤساء النقابات بالانتخابات ولم يمثل مصر في جنيف سوى شخص واحد….!!
والرؤية هي ضمان استقرار التنظيم في هذه الفترة الحرجة، والتوصية التي خرجت من مجلس التشاور الاجتماعي كانت مادتان :
١_ مد الدورة الحالية 6 أشهر.
٢_ أن تكون الدورة النقابية القادمة 5 سنوات بدلا من 4 لكي تتوافق مع مدة الدورة البرلمانية ومع قانون 35 القديم، وهذه مجرد “توصية” ذهبت لمجلس الوزراء ثم البرلمان، ولهم مطلق الحرية في الرفض أو القبول، وجاءت الموافقة من لجنة القوي العاملة وفي انتظار القرار الأخير بعد العرض على الجلسة العامة.
نطالب بتفعيل المادة 30 من قانون المنظمات النقابية
– هل هناك تعديلات مقترحة على قانون التنظيمات النقابية (213 لسنة 2017) … وما هي أبرز العيوب التي ظهرت في التجربة العملية؟
أي قانون يظهر له عيوب عبر مرحلة التطبيق، وأبرز ما نحتاجه فى تعديلات القانون الخاص بالتنظيمات النقابية هو سد الفراغ التشريعي في حالة غياب رئيس المنظمة النقابية “اللجنة أو النقابة العامة”.
والقانون الحالي لم يحدد من يحل محله بوضوح كما فعل في حالة عضو مجلس الإدارة، وللعلم نحن في نقابة الغزل والنسيج عالجنا ذلك بلائحة داخلية نشرت في الوقائع المصرية، ولكن يجب تعميم ذلك قانونا، والأمر الثاني.. هو ضرورة العودة لبعض المكتسبات في قانون 35 الملغي، المتعلقة بالحقوق والحريات النقابية وتنظيم العملية الانتخابية، وتفعيل المادة 30 من القانون الحالي… التي تنص على أن الجمعية العمومية هي السلطة العليا، ومنع تدخل الجهات الإدارية في العمل النقابي وفقا للمادة 64، وسوف يتم طرح هذه الرؤية لنقاش موسع في المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي.
تعديل سن التقاعد ضرورة لمواكبة قانون التأمينات الجديد
– هناك نقاشات عديدة مؤخرا لاستبدال مصطلح “سن الستين” ب “سن الشيخوخة” في القوانين … لماذا… وما تأثير ذلك على العامل؟
هذا ليس مجرد تغيير مسميات، بل هو ضبط تشريعي ضروري، قانون التأمينات الجديد (148 لسنة 2019) أقر نظاما تدريجيا للخروج على المعاش؛ حيث يبدأ السن في الارتفاع من 60 إلى 61 ثم 62 وصولا إلى 65 عاما في سنة 2030، كانت القوانين الأخرى (الخدمة المدنية، قطاع الأعمال، قانون القضاة) تنص صراحة على سن الستين، وهذا يخلق تضاربا قانونيا مع قانون التأمينات، لذا، كان لزاما علينا تعديل كافة هذه القوانين واستبدال “الستين” ب “سن الشيخوخة” أو سن التقاعد ليتماشى مع التدرج الزمني الجديد.
نحن عدلنا المواد في أكثر من 18 قانونا لضمان عدم ضياع حقوق العمال التأمينية.
المسؤولية أمانة
– في الختام نريد رسالة من رئيس النقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج لعمال القطاع ؟
أقول لهم إن “المسؤولية أمانة”، وهدفنا أن تكتمل خطة التطوير لنرى صناعة الغزل والنسيج فى مصر تعود لريادتها العالمية، ونرى العامل المصري يحصل على الأجر الذي يستحقه من عرق جبينه وإنتاجه… والاهم أنني أري ان عمال الغزل والنسيج هم “أيوب عمال مصر” ونحن معهم وبهم سنعبر تلك المرحلة الانتقالية.








