تبرز مخطوطة طبية نادرة، بمتحف مكتبة الأزهر بجناح الأزهر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، يزيد عمرها على أكثر من 400 عام، لمؤلَّفٍ قارب الألف عام، بوصفها واحدة من أعمدة التراث الطبي في الحضارة الإسلامية، وهي مخطوط «المغني في الطب»، الذي يمثل مرحلة متقدمة في تطور المنهج العلمي للعلاج والتشخيص.
جناح الأزهر
يُنسب الكتاب إلى العالم والطبيب أبي الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسين المعروف بـابن هبة الله (ت 495هـ)، أحد أعلام القرن الخامس الهجري، وقد جاء كتابه المغني في الطب شرحًا موسعًا لكتاب «موجز القانون» للطبيب الكبير ابن النفيس، الذي اختصر بدوره كتاب «القانون» لابن سينا، ليغدو المغني جسرًا علميًّا متينًا يربط بين عبقرية ابن سينا، وتدقيق ابن النفيس، والتطبيق العملي للأطباء.
وتكتسب النسخة المخطوطة قيمة تاريخية خاصة، إذ تحمل تملكات علمية لكلٍّ من محمد مصطفى البيلوني ومتوق بن علي، ويعود تاريخ هذه التملكات إلى سنة 1029هـ، بما يؤكد تداول المخطوط واعتماده مرجعًا طبيًا موثوقًا عبر القرون.
ويتميّز الكتاب ببنائه العلمي الدقيق وتنظيمه التعليمي الاحترافي، حيث ينقسم إلى أربعة فنون رئيسة؛ يتناول الفن الأول القواعد الكلية للطب، متطرقًا إلى تشريح الأعضاء، والأمراض العامة، وأسبابها، وعلاماتها، وسبل حفظ الصحة.
ويخصص الفن الثاني للحديث عن الأدوية والأغذية، مبينًا مفردات العقاقير والأطعمة وما يلائم كل مزاج، وأما الفن الثالث فيعالج الأمراض المختصة بكل عضو، مبتدئًا من أمراض الرأس كالصداع والصرع، وصولًا إلى أخمص القدمين، بينما يختص الفن الرابع بـالأمراض العامة التي لا ترتبط بعضو بعينه، مثل الحميات، والأورام، والجروح.
وسُمِّي الكتاب بـ«المغني» لأنه كان يهدف إلى إغناء الطبيب عن الرجوع إلى المطولات والمجلدات الطبية الضخمة، مثل القانون لابن سينا أو الحاوي للرازي، حيث يقدم خلاصة المعرفة الطبية مقرونة بالشرح والتوضيح، خاصة للمصطلحات الدقيقة والمعاني المعقدة.
ويمثل هذا المخطوط شاهدًا حيًّا على نضج المدرسة الطبية الإسلامية، ووعي علمائها بأهمية التيسير والتنظيم المنهجي للعلم، بما يخدم الطبيب والمريض معًا، ليظل «المغني في الطب» نموذجًا خالدًا لإسهام الحضارة الإسلامية في بناء العلوم الطبية.