الحاجة عيشة تكشف أسرار “الورق الفاضي”: كواليس قرار تاريخي ضد التطبيع ورسالة نارية للنقابيين الجدد
سيدة “استثنائية” اخترقت العمل النقابى في وقت كانت المرأة فيه تتواري خجلاً
رحلة كفاح الحاجة عيشة (عائشة عبدالهادي) أم عمال مصر وأول سيدة تتولى منصب وزير قوى عاملة، تحتاج إلى سيناريست ماهر لينسج واحدة من أعظم قصص النجاح ويروى للشباب والنشء رواية بنت مصرية جدعة .. لم تتخرج من جامعة عالمية أو مدارس لغات وإنما تخرجت من حى شعبى “بو لاق أبوالعلا”.
ومن عمر 14 عامًا وحتى الآن وفى عمر الرابعة والثمانين لا تتوانى عن الوقوف بجانب كل من يطلب المساعدة أو المشورة معتبرة ذلك واجب مقدس ودين فى عنقها لكل أبنائها من الطبقة العاملة.
قطعنا عليها خلوتها بأبناءها وأحفادها وحاورناها فى حوار خرج من القلب وفتح خزائن الذكريات والإنجازات لسيدة “استثنائية” اخترقت العمل النقابى والسياسى فى وقت كانت المرأة تتوارى خجلا من الوقوف وسط الرجال فى هذا المعترك الذكورى.
نراك دائمًا في قلب الفعاليات العمالية، وهناك قرب بينك وبين العمال.. كيف بدأت هذه الرحلة من عمر الـ14 عامًا؟
بدأت رحلتي العملية في سن مبكرة جدا، حيث التحقت بشركة “سيد” الحكومية للأدوية وأنا في الـ14 من عمري، واستمرت علاقتي بهذه القلعة الصناعية نحو 46 عامًا حتى خروجي على المعاش، هذه الشركة هي التي صقلت شخصيتي النقابية، والفضل في ذلك يعود لزملائي الذين عاصرتهم وما زلت على تواصل مع أحفادهم حتى اليوم.
أنا ابنة حي “بولاق أبو العلا”، وهو حي عريق اشتهر بقيم الشهامة ومساعدة الغير، وهذه القيم رافقتني في مسيرتي، في البداية، كنت أبحث بتلقائية عن حقوق زملائي في وقت كانت الشركة تتبع القطاع الخاص، قبل أن يمنح الرئيس جمال عبدالناصر للعمال قيمة إضافية بقرارات يوليو الاشتراكية عام 1961.
وبعد فترة عرض علي النقابي الراحل فاروق جاد الله الانضمام لمجموعة نقابية، وبالفعل دخلت لجنة إدارية، ثم خضت الانتخابات النقابية، اللافت أنني كنت أحصل على المركز الأول دائمًا في كافة الدورات الانتخابية حتى عام 2005، لم أكن أعتمد على الدعاية أو اليافطات، بل كان زملائي هم من يتولون ذلك، وكنت أعتمد كليًا على الإخلاص في العمل وقضاء حوائج الناس، وهو الشعار الذي اتخذته دستورًا لي.
واجهت صعوبات أسرية بسبب انخراطك في العمل العام والعودة في وقت متأخر من الاجتماعات.. حدثينا عنها؟
والدي كان رجلًا حازمًا جدًا، أذكر ذات مرة أنني عدت متأخرة من اجتماع نقابي، وحاولت الدخول بهدوء دون لفت انتباهه، فخلعت حذائي ووضعته تحت إبطي، لكنني فوجئت به واقفا أمامي، سألني بوضوح عن طبيعة عملي وهل أفعل شيئا يخالف الأخلاق، وحين أجبت بأنني أدافع عن حقوق الناس، قال لي: “طالما تفعلين الصواب فأنا في ظهرك، ولا تكرري تصرفك هذا مرة أخرى”.
كلمات والدي منحتني ثقة مطلقة وأمانا جعلني أنطلق في العمل دون خوف.
رغم عدم استكمالك للتعليم الجامعي في البداية، إلا أنك استطعت الصعود في الهيكل النقابي والسياسي بسرعة.. كيف تحقق ذلك؟
كنت أؤمن بأن العمل النقابي يحتاج إلى علم وتجربة، فذهبت للراحل فتحي كامل، أمين الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب آنذاك، طلبا للنصيحة، وفي الشركة، استفدت من وجود خبراء أجانب، حيث قامت خبيرة بلجيكية تدعى “مدام ريزاك” بترقيتي لمشرفة بعدما رأت قدرتي على العمل، وساهمت في تقوية لغتي الإنجليزية من خلال كتابة التقارير، وفي عام 1964، أصبحت سكرتيرا عاما للنقابة العامة للكيماويات دون أن أتدرج كعضو، بل صعدت للمنصب مباشرة، بالتوازي مع ذلك، ثقفت نفسي بالدراسة في المجلس الثقافي البريطاني والجامعة الأمريكية، ودرست القوانين واللوائح الدولية بدقة، لأن النقابي الذي لا يفهم القانون لا يستطيع حماية حقوق العمال.
وانضممت للاتحاد الاشتراكي وللتنظيم الطليعي، وهو تنظيم سرى كان يرفع تقارير مباشرة لرئاسة الجمهورية، وجدت نفسي وسط قامات كبيرة مثل: محمد حسنين هيكل، وفريد الديب، وعلي حمدي الجمال، وغيرهم، تعلمت في تلك المرحلة ألا أتحدث إلا إذا كنت واثقة من معلوماتي بنسبة 100%، خاصة وأنني كنت الأصغر سنا وسط هذه العمالقة.
مستقبلى كاد يضيع بسبب زيارة العراق بعد النكسة وشعراوى جمعة اعتذر لى
حدثينا عن دورك الميداني عقب نكسة 1967 وارتدائك “الأفرول” لدعم الصمود.. ما هي تفاصيل تلك الفترة؟
بعد نكسة 67، ارتديت “الأفرول” فعليا، وكنت السيدة الوحيدة ضمن 300 مدرب سياسي عمالي على مستوى الجمهورية، طفت بكل محافظات مصر لجمع شمل العمال وبث روح الصمود، كانت المصانع تعمل على قلب رجل واحد، وكنا نجمع التبرعات من فانلات وجوارب من شركة “الشوربجي” وعصائر من شركة “إدفينا”، ونذهب بالأتوبيسات إلى الجبهة لنقعد مع الجنود لدعمهم ورفع روحهم المعنوية.
وفى عام 1970 كان العراق بصدد تأسيس مؤسسة ثقافية عمالية، واختارني الوزير علي السيد للمحاضرة هناك، اعترض البعض بسبب حظر السفر للعراق وقتها، فذهبت لشعراوي جمعة، وزير الداخلية حينها، وأقنعته بأن سفري سيعزز مصداقيتنا، وبالفعل وافق وسافرت، وخلال وجودي هناك، أعلن الرئيس عبد الناصر قبول مبادرة “روجرز”، فقمت بجولات في مختلف المواقع هناك لشرح أسباب قبول مصر للمبادرة من منظور وطني، وعند وصولي للمطار في الأول من أغسطس 1970، تم التحقيق معى من الجهات المعنية، واتهامى بالانضمام لتنظيم سياسي مخالف، وطالبوني بالإدلاء بأسماء زملائي، كان ردي واضحا: “أنا ابنة جمال عبد الناصر وابنة الثورة، فكيف أنضم لتنظيمات مخالفة؟”، وحين ذكروا لي أسماء بعض الأشخاص، تبين لي أنهم بعيدون تماما عن العمل السياسي، بعد انتهاء التحقيق، ذهبت للوزير شعراوي جمعة، وحين علم بتفاصيل ما قلته في العراق دفاعا عن موقف الدولة، قدم لي اعتذارًا.
وبعد ذلك، كنت قد طلبت مقابلة الرئيس عبد الناصر، لكن القدر لم يمهلنا، حيث توفي في 28 سبتمبر 1970، كانت صدمة العمر بالنسبة لي، مشيت في الشارع حافية لمدة ثلاثة أيام من شدة الذهول، وشعرت حينها أن الدنيا قد توقفت، في تلك السنة كنت قد بلغت 29عاما، وكنت حينها أرفض فكرة الزواج تماما، لكن في النهاية حصل نصيب وتزوجت، ومن الناحية العملية، اتخذت قرارا بـ”تطليق” العمل السياسي تماما في تلك الفترة، لكنني لم أستطع إطلاقا ترك العمل النقابي لأنه يسري في دمي، وظللت هكذا حتى جاءت حرب أكتوبر 1973، التي ردت لي روحي وجعلتني أكن تقديرا كبيرا للرئيس أنور السادات.
وأذكر ما قاله لي الدكتور نور بكر، حين كان في جلسة مع الرئيس السادات، وذكر أحدهم أن “عائشة عبد الهادي” انضمت للحزب الناصري ثم لحزب التجمع، فكان رد السادات: “عائشة ابنة مصر، وفي أي مكان ستظل هي ابنة مصر المخلصة”، وهذا الكلام نقله لي الدكتور نور عليه رحمة الله.
كيف كانت طبيعة علاقة الحركة النقابية بالرئيس السادات، وما الذي كان يميز إدارته لتلك الملفات؟
السادات كان يتمتع بذكاء شديد وقدرة على استيعاب الجميع بطريقة ذكية وجابرة للخواطر، أذكر واقعة حين أعدم جعفر نميري الكادر الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب، وأثار ذلك غضبنا في الحركة النقابية وقمنا ب”دوشة” واحتجاجات، فجمعنا الرئيس السادات، وقام النقابي المفوه عبد العظيم المغربي يتحدث بقوة، فكان رد السادات بابتسامة: “يا عبد العظيم أنت مفوه وأنا لست قدرك، لو كنتم أخبرتموني أن الأمر يهمكم لكنت كلمته، لكنه تصرف من رأسه”، كان دائما ما يمتص الغضب بجبر الخاطر والهدوء.
وماذا عن تطور المؤسسات النقابية في تلك الفترة، ومن هم أبرز الرموز الذين عاصرتهم؟
جاء الراحل سعد محمد أحمد ليرأس اتحاد العمال، وكان قامة نقابية مثقفة وواعية جدا، هو صاحب الفضل في تأسيس المرافق الكبرى التي نراها اليوم، مثل: بنك العمال، المؤسسة الثقافية، وقرية الأحلام، والجامعة العمالية، كان يمتلك قدرة فائقة على الفصل بين موقفه كوزير وموقفه كحقوقي ونقابي، وكان يحرص على قضاء حوائج العمال بنفسه، فكان يكتب طلبات العمال ويتابع تنفيذها بدقة، محققا توازنا نادرا بين المنصبين.
خضت واقعة شهيرة بـ”الورق الفاضي” أمام الرئيس السادات.. كواليس هذا الموقف؟
كانت هذه الواقعة في أعقاب زيارة الرئيس السادات للقدس عام 1977، وكان هناك غضب عارم داخل الحركة النقابية، أعددنا مؤتمرا حول “العلاقة بين الأجور والأسعار” بحضور سيد مرعي رئيس مجلس الشعب آنذاك، وقبل الجلسة، جاءني النقابى احمد العماوى رئيس اتحاد العمال، ليخبرني أن سعد محمد أحمد وزير القوى العاملة يطلب مني عدم ذكر اسم “إسرائيل” أو التطبيع نهائيا، التزمت الصمت ودخلت القاعة وجلست في الصفوف الأخيرة وبيدي رزمة ورق بيضاء تماما، وبينما كان الوزير يتحدث، قمت فجأة وقلت بصوت عال: “يا ريس.. الأوراق التي في يدي تحمل توقيعات كل أعضاء هذا المؤتمر برفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل!”.. انفجرت القاعة بالتصفيق، وتحولت الكلمة إلى قرار جمعية عمومية ملزم، رغم أن الورق كان خاليًا من أي كتابة، لكنني علمت أن أحدا لن يجرؤ على مراجعته لأنه يعبر عن نبضهم، وهذا القرار استندت إليه كل الاتحادات العربية لاحقا في مواقفها.
تسببت فى سقوط مندوب إسرائيل بمنظمة العمل الدولية بعد اختيارى وزيرة قوى عاملة
هل كانت للحركة النقابية في السبعينيات والثمانينيات مواقف أخرى أثرت في القرار السياسي للدولة؟
طبعا، أذكر واقعة عمال “الحديد والصلب” حين قرروا منع زيارة مسؤول ألماني بارز للمصنع، حيث افترش العمال الأسفلت وناموا أمام البوابات لمنع دخوله، وكان الرئيس السادات في أسوان، فاتصل بنائبه وقتها حسنى مبارك ليسأل عن الحكاية، وانتهى الأمر بالرضوخ لرغبة العمال وصدور قرار نقابي رسمي موثق بتوقيت سابق ليحمي الموقف الشعبي للعمال، كانت النقابة وقتها تملك مواقف حقيقية في الحق.
فضلا عن أننى كنت أعمل كعضو مجلس إدارة في شركة قابضة، واكتشفت محاولة لبيع شركة كيماويات دوائية كانت ملاصقة لموقع حيوي تابع للقوات المسلحة، ومن خلال مصادري وتدقيقي في المستندات، تبين لي أن المشتري هو شركة هولندية-إسرائيلية، لم أتردد لحظة، وثقت المسألة بالخرائط والمستندات وأرسلت تقريرا عاجلا لرئاسة الجمهورية وللمخابرات العامة وللمشير طنطاوي، محذرة من أن هذا البيع يمثل خرقا للأمن القومي، وبالفعل، أدت هذه التحركات لإلغاء الصفقة فورا وحماية مقدرات الدولة.
كيف كانت رحلتك داخل منظمة العمل الدولية بجنيف، وما هي كواليس نجاحك في انتخابات مجلس إدارتها؟
بدأت رحلتي في المنظمة الدولية من خلال رئاستي للجنة المرأة العاملة العربية والأفريقية، كنت حريصة على حضور كافة الجلسات والتعلم بدقة، حصلت على شهادات
دولية من جامعات أمريكية مثل “جورج مادي” و”كورنيل” في العلاقات الصناعية والمفاوضة، وهي دراسات تعادل الشهادات الجامعية الكبرى.
وفي إحدى جولات الانتخابات الدولية، خضت المعركة عن فريق العمال، ونجحت في الحصول على المركز الأول في القائمة الثالثة، وبذلك تسببت في سقوط مندوب إسرائيل في المنظمة، وعقب تولي حقيبة وزارة القوى العاملة، اختارني فريق الحكومات أيضا في مجلس الإدارة، لأكون الشخصية الوحيدة التي جمعت بين المنصبين “فريق العمال وفريق الحكومات”، وقد زاملت في تلك الفترة قامات دولية، مثل ، حليمة يعقوب التي أصبحت لاحقا رئيسة لجمهورية سنغافورة.
وأنا كنت ناسية الواقعة دي لحد ما حد فكرني بيها قريب، كنا في جنيف بنحضر اجتماعات منظمة العمل الدولية، وكنا بنصلي في أماكن مش مخصصة، فكرت إننا لازم يكون لينا مكان كريم، جمعت غرفتين وحولتها لمكان مخصص للصلاة، وجبت مصليات ومصاحف، وبقى مسجد رسمي داخل مقر الأمم المتحدة هناك، ولحد دلوقتي الناس بتروح تصلي فيه ويدعوا لي.
توليت حقيبة القوى العاملة والهجرة في عام 2006.. ما هي أبرز الملفات الشائكة التي قررت اقتحامها؟
دخلت الوزارة وأنا أعلم خباياها جيدا، وكان على رأس أولوياتي ملف “الحوالات الصفراء” للمصريين الذين عملوا في العراق، اكتشفت وجود منظومة فساد تتمثل في “محامين التوكيلات” الذين كانوا يتقاسمون المستحقات مع أرامل العمال والغلابة، ويأخذون نسبا باهظة بالتواطؤ مع بعض الموظفين، فاتخذت قرارا فوريا بإلغاء العمل بهذه التوكيلات، وأصررت على أن يتسلم كل صاحب حق مبلغه بيده من خلال البنك المركزي مباشرة، وتعرضت وقتها لضغوط وتهديدات لإثنائي عن القرار، لكنني لم أتراجع حتى أعدت الحقوق لأصحابها.
وأتذكر أن الراحل مفيد فوزي كتب مقالا أبدى فيه إشفاقه علي من ملف الهجرة لأنني -حسب ظنه- لا أجيد اللغات، لم أدخل معه في مناقشات، بل رددت بالعمل الميداني، وقعت اتفاقية تاريخية مع إيطاليا من خلال معهد “دون بوسكو” لتدريب الشباب المصري فنيا وتسفيرهم بعقود عمل رسمية تحفظ كرامتهم، وحين رأى الأستاذ مفيد نجاح التجربة، جاءني معتذرا وسجل معي ثلاث حلقات تليفزيونية تحتفي بهذا الإنجاز، فالعمل دائما هو خير رد.
ما هي رؤيتك للعمل النقابي الحالي، وما الذي ينقص جيل النقابيين الجدد؟
العمل النقابي في جوهره هو “ابن المصنع”، وليس ابن المكاتب المكيفة، يؤلمني الآن غلبة “المظاهرية” والبحث عن الصور واللقاءات الإعلامية، النقابي الحقيقي هو من يشم رائحة الماكينة ويحل مشاكل العمال على الأرض، اليد المرتعشة لا يمكن أن تأتي بحق، ولابد للنقابي أن يكون ندا محترما لصاحب العمل، يحترم المؤسسة لكن لا يفرط في حقوق زملائه، الأمانة ثقيلة، والعمل النقابي رسالة وليس وجاهة.
أتذكر موقف لى مع عمال شركة جاءوا للاعتصام داخل مقر الاتحاد، والوزارة وقتها أيام الوزير عاصم قطعت عنهم المياه والكهرباء وقفلت الحمامات عشان يمشوا، جالي تكليف بالتدخل وحل المشكلة، رحت فورا، وأمرت بفتح “قاعة كبار الزوار” للعمال، وقلت للمسؤول “افتح المية فورا”، اشتريت لهم كراتين مية وطلبت صرف مبلغ مالي لكل عامل، وأمرت بإحضار “كيلو ونص كباب” لكل عامل عشان يروحوا لبيوتهم ومعاهم أكل لولادهم لأنهم كانوا جعانين، الوزير وقتها اتصل بيا وقالي: (أنت بتشجعي العمال؟)، قولتله: (لو تقدر تحلها حلها، ولو سيبتني هحلها أنا)، وبالفعل نقلتهم “فوق السطوح” في الدور العاشر بالاتحاد ووفرت لهم سبل الراحة، وتفاوضت مع الوزير محمود محيي الدين والحاج أحمد لقمة صاحب الشغل، وقولتله طلباتي مفيهاش تنازل، وبالفعل مضيت اتفاقية الساعة 11 ونصف بليل، واستلم العمال شيكاتهم كاملة بفضل الوقوف بجانبهم “كند” لصاحب العمل.

البدلة ولقب “بيه” يحدث فجوة بين النقابي والعامل.. والأفرول أصلنا
لاحظنا تعليقا لافتا لحضرتك على مظهر النقابيين اليوم وارتدائهم “البدلة” بدلا من “الأفرول”.. لماذا ترين أن “البدلة” أثرت سلبيا على العمل النقابي؟
البدلة تعكس حالة من “النرجسية” بدأت تسيطر على بعض النقابيين.. زمان كان النقابي يلبس “الأفرول” وينزل وسط العمال، فيشعروا أنه واحد منهم، يأكل معهم ويشم رائحة الزيت والماكينة معهم.
“لكن دلوقتي، النقابي بقى بيلبس البدلة والكرافتة ويقعد في مكتب مكيف، ويسمح للعمال إنهم يقولوا له “يا فلان بيه”.. وبكلمة “بيه” دي هو قطع الصلة والرحم بينه وبين العامل، البدلة خلت النقابي يحس إنه في درجة اجتماعية أعلى، فبقى بيخاف على مظهره وعلى الكرسي أكتر ما بيخاف على حق العامل.
أنا قولت لهم في جمعية عمومية قبل كدة: إنت لما تلبس البدلة وتتمنظر وتخلي العامل يقولك يا بيه، إنت كدة ضيعت هيبتك النقابية.. البدلة دلوقتي بقت للوجاهة والتصوير واللقطات، لكن العمل النقابي الحقيقي “عرق وشقى”، البدلة بتخلي الإيد “مرتعشة” في التفاوض، لإن اللي لابسها بقى بيعتبر نفسه “رجل إدارة” مش “رجل نضال”.. إحنا محتاجين نرجع “للأفرول” في الفكر مش بس في اللبس، نرجع ل “ابن المصنع” اللي هدومه متبهدلة بس صوته بيهز جبال لانتزاع حق زمايله.
العامل المصري الأكثر إخلاصًا لبلده
هل العامل المصري اتغير؟
لا العامل المصري ما اتغيرش، العامل المصري “مناضل”، ومفيش حد عنده إخلاص لبلده زيه، سيبك من الظروف اللي إحنا فيها دي، لكن تعالي شوفي وقت ما مصر ما تبقى في أزمة، العامل المصري بيكون وضعه إيه، هو مين اللي بيطلع الإنتاج اللي بنشوفه ده؟ مش المصريين؟ مين اللي بيشتغل فى كبرى المصانع والشركات؟ ومين اللي بيشتغل في نجع حمادي؟ مش دول عمال مصريين؟ العامل المصري “عملة نادرة” بجد، بس فيه بعض الظروف الاجتماعية بتخليه يتأثر، وضيفي على كدة بعض “الموبقات” اللي دخلت على المجتمع زي المخدرات، ودي حاجات في كتير من الأحيان بتكون خارجة عن إرادتهم وأنا مش عاوزة أظلمهم.
أنا لفيت وقعدت مع “الولاد” بتوعنا في كل حتة؛ قعدت معاهم في العقبة، وفي الرياض، وفي اليمن، وفي ليبيا، أذكر في ليبيا، رئيس الوزراء وقتها “البغدادي المحمودي”، قال: (لا.. الوزيرة عيشة دي هي وزيرة العمل في مصر وفي ليبيا مع بعض)، وقال للدكتور أحمد نظيف كدة وقتها إننا عندنا “الجنرال عيشة”، ده كان بسبب اهتمامي بكل عامل مصري هناك ومشاكله، العامل المصري ارتباطه بأرضه غريب جدا، “أرضه زي عرضه” وأي واحد فيهم مهما اتغرب بيبقى حلمه يرجع يبني بيت صغير ويدفن في بلده.
أنا كنت دايما “محجمة” دخول العمالة الأجنبية لمصر، ومكنتش بسمح لعامل أجنبي يدخل ياخد مكان مصري أبدا، أذكر لما رحت بورسعيد ولقيت الشباب مش عاوزين يشتغلوا في المصانع والإنتاج هيقف، وافقت وقتها إننا نجيب عمالة أجنبية عشان المصانع ما تقفلش، لكن كنت بوازن بين ده وبين مصلحة العامل المصري.
العامل المصري صنايعي وشاطر جدا، بس ينقصه اللي يحتويه، وينقصه تحسين الأوضاع الاقتصادية عشان يقدر يكمل، وينقصه إننا نهتم بالتعليم الفني ونرجع له هيبته
وقيمته الاجتماعية عشان العامل ما يحسش بالدونية، ويبقى فخور بمهنته قدام الناس لما يروح يتجوز أو يتعامل في المجتمع.
رفضت عمل المصريات خادمات بالخارج حفاظًا على كرامة المرأة المصرية
لك موقف قوي جدا يتعلق بكرامة المرأة المصرية والعمل في الخارج.. ما هي تفاصيل هذا القرار؟
هذا القرار أعتز به جدا، وقد اتخذته وأنا في جدة والرياض، اكتشفت أن هناك تجاوزات تحدث ضد البنات المصريات اللاتي يسافرن للعمل في المنازل خادمات، لم أقبل أبدا أن تهان كرامة بنت مصرية، أصدرت قرارا وزاريا قويا بمنع إرسال عمالة منزلية نسائية، وشكلت لجنة من وزارات (العمل، والخارجية، والداخلية) لتنفيذ القرار، وقولت اللي هيخالف هيتحاسب، البعض حاول الالتفاف على القرار بخطابات من إدارات مركزية، لكنني أصررت على أن يكون قرار وزير ملزم، أنا قولت للبنات وقتها: أي بنت عاوزة تسافر لازم عقدها يروح للمستشار العمالي يتأكد إن السكن محترم والأجر يتناسب مع خبرتها، وأنا بكلم المستشار العمالي يسلمها شغلها بنفسه، كرامة المصريات كانت عندي خطا أحمر لا يقبل التفاوض.
ختاما.. ماذا يمثل لك لقب “أم العمال”؟
اللقب طبعا عزيز علي، لكن الحقيقة أنا بحب لقب “الحاجة عيشة” أكتر من أي لقب تاني، سواء “أم العمال” أو “أم النقابيين” أو حتى لقب “الوزيرة”.. لقب “الحاجة عيشة” له رنة خاصة في قلبي لأنه بيحسسني إني قريبة من الناس، وبحس فيه بالمحبة الصافية والتقدير اللي ملوش غرض، وفيه كتير برضه بيقولوا لي “يا ماما”، وأنا بتبسط جدا
لما بسمعها، لدرجة إني بضحك وأقول لهم: أنا خلفت كل دول؟.
أنا فاكرة أول عيد عمال ليا بعد ما بقيت وزيرة، كنت داخلة القاعة أطمن على الترتيبات قبل وصول الرئيس، والناس أول ما شافتني قامت وسقفت بحرارة، فرجعت لورا لاني مينفعش أدخل والرئيس موجود والناس تسقف لي أنا، ولما بدأت أقول الكلمة بتاعتي، فيه عامل كان قاعد في الشرفة فوق، صرخ بأعلى صوته وقال: (يا رب يا هادي.. خلي لنا عيشة عبد الهادي)، وقتها الرئيس مبارك سقف وضحك وكان مبسوط جدا، وأنا وشي احمر من الخجل، لكن الدعوة دي واللقب ده “الحاجة عيشة” هو اللي فضل عايش وهو اللي بيخليني أنام وأنا مرتاحة ومطمنة بستر ربنا ومحبة الغلابة.







